أحدث ما نشر

مدونة إخبارية مغربية تهتم بأخبار التعليم و مستجداته و تقدم بعض النمادج من الوثائق الإدارية التي تخص نساء و رجال التعليم

‏إظهار الرسائل ذات التسميات رشيد نيني. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 23 مارس 2015

الجامعة والنفق المسدود (2/2)


ليس ضروريا أن يكون الواحد منا عبقريا لكي يستنشق رائحة الكعكة الجامعية، التي يتم تقسيمها في الكواليس، إذ يكفي أن نعود إلى بلاغ النقابة لكي نقرأ ما ورد في سطر يختصر كل الحكاية المشار إليها أعلاه، وهو أن المكتب الوطني للنقابة قبل بمقترح عقد مؤتمر استثنائي أواخر هذه السنة الجامعية، وتم تقديم ذلك بمبرر «الرقي بالنقابة، وتحسين وعصرنة إدارتها وعملها».
وما لا يعلمه عموم أساتذة الجامعات، ومؤسسات التعليم العالي الأخرى، هو أن هذا هو المطلب الرئيسي لتيار حزب العدالة والتنمية، الذي لطالما كان الوزير الحالي لحسن الداودي أحد أركانه، وكان لأكثر من مرة مؤتَمِرا في مؤتمرات سابقة ممثلا للحزب، حيث إن تيار العدالة والتنمية، والذي ظل في السنتين الأخيرتين يهدد بالانشقاق وتأسيس نقابة جديدة، علما أن قطاع التعليم العالي هو القطاع الوحيد الذي سلم حتى الآن من لوثة التسيب النقابي، كان يشترط عدم انشقاقه بعقد مؤتمر استثنائي.
فإذا كان هذا التيار يتذرع باسم الديموقراطية للمطالبة بمؤتمر كهذا، فإن المسكوت عنه الحقيقي هو أنه يطالب بإعادة تقسيم «كعكة المقاعد». والدليل على ذلك هو أن تيار العدالة والتنمية كان قد أتى بحماس منقطع النظير للمؤتمر العاشر للنقابة، والذي عقد في مارس 2013، وصوت كل أعضائه بالإيجاب على التقريرين الأدبي والمالي للمكتب الوطني الذي كان يترأسه عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي حاليا محمد الدرويش. لكن هؤلاء اكتشفوا بعد يومين من أشغال المؤتمر أنهم تعرضوا للخيانة، إذ أن عدد المقاعد التي وعدوا بها في الكواليس، لا تحترم حجمهم، إذ مُنحوا نفس عدد المقاعد التي منحت لحزبين ميكروسكوبيين كحزب التقدم والاشتراكية والاشتراكي الموحد، وهو ما اعتبره الحزب الحاكم إهانة له، وهو الذي يقود الحكومة، بل ويقود القطاع.
لذلك لم يجد أعضاء الحزب إلا الخروج إلى ساحة معهد مولاي رشيد، الذي احتضن المؤتمر، والبدء في رفع الشعارات «المنددة» بالاستبداد الذي يمارسه «التيار الأبوي»، حسب زعمهم، ويقصدون تيار الاتحاد الاشتراكي، بينما الحقيقة هي أنهم انسحبوا احتجاجا على ضعف المقاعد المخصصة لهم في الكواليس وليس بسبب حرصهم على تطبيق الديموقراطية.
ومنذ ذلك الحين، قرر الحسن الداودي أن يدخل في الحرب مع النقابة، موظفا مؤسسات الوزارة للثأر من الاتحاد الاشتراكي الذي يسيطر على النقابة، والذي أبان بعض المنتمين إليه إبان هذا المؤتمر عن علو كعبهم في «التكوليس»، سواء في المطالب، بل وحتى في المناصب، لتبدأ الإضرابات والتصريحات النارية من الطرفين.
والغريب أن النقابة إبان أزمتها مع الداودي كانت تدبج بلاغاتها بأسلوب عنتري يستمد لغته النارية من خطابات السبعينيات والثمانينيات من قبيل الدفاع عن الجامعة العمومية، فضلا عن انتقادها للحكومة «اللاوطنية» و«اللاشعبية»، وعندما تصالحت معه، نسيت كل هذه الشعارات وبدأت تستعرض إنجازاتها في البلاغ، مع أن ما أنجزته ليس سوى مجرد فتات في أفواه بعض الفئات، ولا علاقة له بجوهر مطالب أساتذة التعليم العالي، بل وبمتطلبات هذا القطاع.
وبالعودة إلى البلاغ النقابي، فما لا يذكره هذا البلاغ هو أنه في مقابل التجاوب السريع والمفاجئ مع مطالب النقابة، والتي تخوض امتحانات انتخابية هذه السنة على صعيد مجالس الكليات والجامعات والمكاتب الجهوية، نجد النقابة تستجيب لأحد أهم المطالب التي ينادي بها «التيار التصحيحي» المحسوب على حزب العدالة والتنمية، والذي انسحب من المؤتمر العاشر للنقابة كما قلنا. والسؤال المطروح هو: ما الذي يجعل من الأجهزة الحالية للنقابة «غير جيدة وغير عصرية»، كما قال البلاغ؟
أليس هذا اعترافا واضحا بفشل الأحادية الحزبية في تدبير دفة النقابة؟ أليس هذا اعترافا بجملة الملاحظات التي سجلها التيار الإسلامي المنسحب من المؤتمر العاشر، والذي دعا إلى تعديل القانونين الأساسي والداخلي للنقابة، واللذين وصفهما بالتقليدية والشمولية؟
ثم هل التغيير الذي سيأتي به المؤتمر الاستثنائي سيشمل الوجوه فقط، وعلى رأسها الكاتب الوطني الحالي، والذي يشهد الجميع بضعفه، بدليل حضوره الباهت في مناقشة الملفات التي تهم القطاع في المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فضلا عن ضعفه في العروض التي ألقاها أمام الفرق البرلمانية؟ أم أن التغيير سيمس التوجهات وطرق العمل والتصويت؟
هل سيكون المؤتمر الاستثنائي المزمع عقده بداية للديموقراطية الحقيقية، التي لم تهب على النقابة منذ تأسيسها قبل نصف قرن؟
هكذا إذن اختار الداودي أن يساوم تحقيق مطالب النقابة بتمكين حزبه من مقاعد نقابية تمكنها من السيطرة على مجالس بعض الجامعات والكليات. أما التيار الاتحادي فقد اختار هو أيضا أن يتساكن «ديموقراطيا» مع العدالة والتنمية، في إطار إيمانه بـ«التعدد»، تماما كما تساكن طيلة عقود مع تيارات مضادة له، ولم تمنعه من أن يبقي على سيطرته على الأجهزة التقريرية للنقابة، علما أن مختلف التيارات الغاضبة، منذ المؤتمر السادس، كما في المؤتمر السابع المنعقد في 2002، سجلت تحفظات على بعض بنود النظام الانتخابي والنظام الداخلي للنقابة، والتي تعتبر حسب رأيها حجر عثرة أمام إنجاح «الديموقراطية الحقيقية» داخل مؤتمر هذه النقابة، ومنها مثلا تغيير آليات التصويت على التقريرين الأدبي والمالي من التصويت برفع الأيدي أو بالتصفيق كما جرت العادة.
لكن ما نعلمه يقينا هو أن هذا «التصالح» بين التيار الاتحادي وتيار العدالة والتنمية لن يستمر طويلا، فإن كانت الظرفية الحالية فرضت عليهما عقد صفقة في أفق عقد المؤتمر الاستثنائي، بحيث يكسب حزب العدالة والتنمية موقعا في نقابة يسيطر عليها اليسار تاريخيا لأزيد من نصف قرن، وفي المقابل يستعيد التيار المسيطر على النقابة بعض اللمعان الذي فقده بسبب مشاكل تنظيمية عاشها الحزب وأثرت كثيرا على عمل النقابة، فإن المؤتمر الاستثنائي المزمع عقده، لن يكتب له النجاح إلا إذا تم تغيير القانون الأساسي والنظام الداخلي، بشكل يسمح بتفعيل ديموقراطية حقيقية، وهو الأمر الذي يصعب القبول به من طرف التيار الاتحادي، والذي سيلجأ إلى تعديلات ولكن على مقاس يضمن الاستمرار في هيمنته. وحتى إذا تم السماح بوجود كبير لتيار العدالة والتنمية في أجهزة النقابة بعد المؤتمر المقبل، فإن الهاجس الأكبر لعموم نساء ورجال التعليم العالي سيكون حتما هو استقلالية النقابة، علما أن الصفقة ذاتها ستضع حزب لحسن الداودي في موقف متناقض مع كل الملاحظات التي سجلها إبان المؤتمر العاشر، أي اللجوء إلى الكواليس لتوزيع كعكة النفوذ في الأجهزة التقريرية للنقابة، والقبول باعتماد المحاصصة الحزبية كما جرت به العادة داخل النقابة لأكثر من خمسة عقود.
إن المؤسف حقا هو أن يتم إفراغ الحياة الجامعية من جوهرها الفكري والعلمي الحر، ورهن مستقبلها للحسابات الحزبية الضيقة، فإذا كان الجميع يحسب لحكومة بنكيران الثانية قبولها بإسناد وزارة التعليم المدرسي لتكنوقراطي بسبب الفساد الكبير الذي أحدثته الحزبية في هذا القطاع، فإن الحكومة ذاتها لم تستطع أن تخلص قطاع التعليم العالي من الحزبية، إذ لم يكفها فيل فزادوها فيلة عندما عينت وزيرة أخرى منتمية للعدالة والتنمية سبق لها أن حصلت على المغادرة الطوعية من التعليم العالي، فقط لترضية خواطر «عيالات» بنكيران، علما أن كل المطلعين على ما يجري في مقر الوزارة بحسان يعرفون أن وجود الوزير كعدمه.
وكم كان أمل المغاربة كبيرا أن يشهد قطاع التعليم العالي دينامية لتغيير ثقافة التدبير الحالية، والتي ملؤها المحسوبية والزبونية والحزبوية الضيقة، وتتم إعادة هيكلة هذا القطاع بشكل يسمح بأن يكون التعليم العالي قاطرة للتنمية، ومزودا للمجتمع بالأطر الكفأة في الاقتصاد والصناعة والتعليم والإدارة.
مشكلة الجامعة المغربية تتلخص في كونها ساحة تتصارع فيها رؤيتان متناقضتان ولا مجال للتوفيق بينهما؛ رؤية تتبناها الدولة وهي ربط الجامعة بالعولمة، لكن دون أن توفر لهذه الرؤية الحد الأدنى من الشروط المادية واللوجستيكية المناسبة، ورؤية تقليدية، البعض يسميها أصيلة، تعتبر الجامعة هي مختبر للتفكير الحر بعيدا عن كل أجندات الدولة «الرجعية» عند البعض و«الكابحة» عند البعض الآخر، لكن دون أن تكون لديهم أجوبة حول أسئلة التحديث والتنمية، وهذا يعد في حد ذاته مشكلة تمس مدى قابلية كل مشاريع إصلاح الجامعة للتنفيذ.
والوجه الأول للمشكلة يتمثل في أنظمة التكوين والتقويم، سواء كان تقويما للطلبة أو للأساتذة، فنظامنا التعليمي لا تحكمه مقاربة موضوعية في ما يتعلق بالتقويم، بل إنه ارتجالي وعفوي وانطباعي ولم يرق بعد إلى ما هو معروف عالميا من معايير صارمة يضيق المجال هنا لسردها؛ فالطالب عندنا لا يستطيع أن يدرك أين تبدأ حقوقه، لذلك يعتبر كل شيء حقا، بما في ذلك الحق في النقط والحق في النجاح دون أن يبذل جهدا لنيلها، والأستاذ لا يعرف أين تنتهي مسؤولياته، مسؤوليته في ضمان تكافؤ الفرص والاجتهاد في البحث العلمي الحقيقي، وهذا مستوى من النقاش لا يبدو أن لوزارة لحسن الداودي ونقابة الاتحاد الاشتراكي من الاستعداد ما يكفي لبلوغه.

الاثنين, مارس 23, 2015 0

السبت، 14 مارس 2015

أموال التعليم السائبة



عندما قلنا قبل أيام إن «مطاردة الساحرات» التي تقوم بها وزارة التعليم ضد المدرسين المتورطين في الساعات الإضافية، تبقى حملة انتقائية، إذا لم توازها حملات حقيقية لاجتثاث أورام الفساد في دواليب الوزارة بأكملها، لأنه من غير المعقول أن تكون الوزارة أسدا على «الحلقة الأضعف»، والتي هي المدرس، وفي نفس الوقت فأرا أمام القطط السمينة التي اغتنت وماتزال تستفيد من استشراء الفساد في منظومة فقدت بوصلتها. فإذا كان هاجس الجميع اليوم هو تقويم واقع التعليم ببلادنا، فإن تشخيص بؤر الفساد في الوزارة والأكاديميات والنيابات وتطهيرها هو أولى الأولويات، قبل الحديث عن المناهج والشراكات ومشاريع المؤسسات والتكوينات وغيرها. ولأن ما تعرضنا له نملك عليه أدلة كثيرة نشرناها هنا مرارا، فإنه لم تمر إلا أيام قليلة على ما ذكرنا، حتى أتت الأدلة لكل من في «كرشه عجينة»، وهذه المرة من أكاديمية الرباط، والتي تعتبر المسؤولة بقوة القانون عن مكتب الوزير ومقرات الوزارة، وكذا من نيابة التعليم بخنيفرة، هذه المدينة الفقيرة التي ابتليت ببعض المسؤولين الذين ينظرون لمعاناة أطفالها في جبال الصقيع كمصدر للاغتناء فقط. ففي الرباط انفجرت فضيحة عندما تم اكتشاف اختفاء 4 ملايير سنتيم كانت مخصصة للعدة الدايداكتيكية في الجهة ضمن البرنامج الاستعجالي، والملف في يد المفتشية العامة الآن، إذن في انتظار معرفة مصير هذه الميزانية الضخمة، ينبغي أن نقارنها بـ«سرعة» توقيف أستاذة مادة علوم الحياة والأرض بالرباط ذاتها، لمجرد أنها تحصل على أجرة 30 ألف درهم من مؤسسة خاصة. فبمقابل «التريث» و«التعقل» وعدم «التسرع» في تطبيق مساطر النزاهة مع المسؤولين عن الفضيحة الأولى، نجد سرعة قياسية في الفضيحة الثانية. وفي انتظار أن يقدم بلمختار للرأي العام حقيقة ما وقع، سيكون عليه أيضا أن يكشف الحقائق الأخرى المتضمنة في التقارير الافتحاصية الكثيرة للبرنامج الاستعجالي، سواء تلك التي قام بها هو، أو تلك التي قام بها سلفه محمد الوفا، ليعرف المغاربة أين اختفت 45 مليار درهم التي خصصت للبرنامج الاستعجالي.
أما ما وقع في مدينة خنيفرة، فهو أن لجنة افتحاص حلت بالنيابة قبل أسابيع، ووقفت على اختلال خطير يتجلى في ملف التدبير المفوض لحراسة الثانويات في الإقليم، حيث اكتشفت اللجنة أن العدد الفعلي للحراس هو 40 حارسا، يتقاضى كل منهم حوالي 2300 درهم شهريا، بينما العدد الموجود في التعاقد مع الشركة المكلفة هو 49 حارسا، أي أن الرواتب الشهرية لتسعة حراس افتراضيين تذهب لجيوب معينة. والأنكى هو أن الجواب الذي تلقته اللجنة عندما استفسرت عن هذا الفرق بين الواقعي وما يوجد على الورق، هو أن هؤلاء يحرسون النيابة، علما أن المقر المركزي لبنك المغرب نفسه لا يحرسه هذا العدد من الحراس. وقد انكشفت اللعبة تماما عندما رفض الخازن العام التأشير على ميزانية الحراسة مع الشركة ذاتها، لكونه اكتشف اختلالا ما بين العدد الفعلي لحراس الأمن بثانويات خنيفرة والعدد الذي تم تضمينه بالوثيقة التي تم تقديمها له للمصادقة عليها. وبلغة الأرقام ففي الوقت الذي كان فيه من المفروض أن توفر شركة الحراسة 40 حارسا لمؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي بخنيفرة، فوجئ الخازن بالإدارة المالية بالنيابة تطالبه بالتأشير بالمصادقة على إجراء تحويل مالي للشركة يخص 49 حارسا.
إننا لا نتهم أحدا، ولكن نطالب فقط بأن يكون بلمختار في مستوى خطاب النزاهة الذي اعتمد عليه في حربه على مدرسي الساعات الإضافية. فالمدرسون الذين يبتزون تلامذتهم بنقط المراقبة المستمرة ينبغي تأديبهم، والمسؤولون الذين يتلاعبون بالصفقات ينبغي، ليس فقط عزلهم، كما يفعل بلمختار مع كل المدرسين المتورطين في الساعات الإضافية، بل ومحاكمتهم أيضا، لأن المكان الطبيعي لكل المفسدين هو السجن، وليس المكاتب الباذخة وسيارات «الإم روج».
إن حروب النزاهة التي يقودها وزير التعليم تقتضي فحص ما وقع أيام «المال السايب» في برنامج «جيني» الرقمي، لمعرفة مصير الملايير الضائعة في صفقات الحواسيب الرخيصة والعُدد الإلكترونية التي زودت بها الوزارة المؤسسات التعليمية، لتتعرض للضياع منذ أشهرها الأولى بسبب جودتها «الصينية»، إذ عندما نجد دولة تحارب القرصنة في مجالات معينة، ولكنها في الوقت ذاته تعتمد على ماركات غير أصلية في الحواسيب، فإنه يجدر بنا أن نتساءل حول من أشَّر على صفقات هذه الحواسيب ومن حمى الشركات التي تكفلت بتوفيرها، والأهم أيضا مساءلة الذين يسعون اليوم للاغتناء مرة أخرى من صفقات المعدات الرقمية التي قامت بها وستقوم بها الوزارة، علما أن تجربة رشيد بلمختار ذاته، بصفته متخصصا في العلوم الرقمية ومستثمرا في هذا القطاع المربح، تمكنه من أن يعرف حجم التلاعبات التي سيقدم عليها المكلفون بتدبير الصفقات في هذا المجال، لاسيما عندما نعرف أن مسؤولين كبارا في الوزارة، يمتلكون عبر أقربائهم شركات ومقاولات في هذا المجال.
إن حروب النزاهة التي قام بها بلمختار، تستدعي أيضا أن ينظر في «بروفايل» بعض «العملاء» الذين يجولون ويصولون في الوزارة باسم المنظمات الدولية، هؤلاء الذين يدخلون للوزارة ببطائق السفارات، ويتجولون بسيارات تابعة للسفارات، هؤلاء الذين اكتسبوا مهارات خطيرة في
السمسرة بمشاكل التعليم المغربي، ونقصد قائمة طويلة من «الخبراء» المغاربة الذين
يتقاضون مئات الملايين من السنتيمات لكونهم يقومون بإنجاز تقارير لهذه المنظمات عن واقع
تعليمنا.
ولكي يعرف الرأي العام بوضوح عمن نتكلم، فإن الأمر يتعلق بموظفين سابقين في الوزارة،
حصلوا على تقاعدهم العادي أو النسبي أو المغادرة الطوعية، ولكن «ذكاءهم» جعلهم قادرين
على التقاط ذبذبات الأموال القادمة من السفارات والمنظمات الدولية، حيث يتربصون بالتقارير
السنوية التي تنجزها على المستوى العالمي، والتي غالبا ما تركز على موضوع معين،
فيسارعون لوضع مشاريع ورقية، متقنة الحبكة، بحيث تصيب هوى في قلوب «آمري الصرف»
في هذه المنظمات. ونظرا لكون مآسي تعليمنا لا تنتهي، فإن ينابيع الاغتناء عند هؤلاء لا تنضب
أبدا، فمثلا إذا تناولت منظمة «اليونسكو» في أحد تقاريرها السنوية موضوع الفتاة القروية، فإنهم
يسارعون لوضع مشاريع ورقية ذات أهداف رومانسية وبلغة رنانة، ونظرا لكون الحكومة عاجزة
فإن هؤلاء يحصلون على الضوء الأخضر لاستباحة المدارس القروية، وكتابة تقارير عن واقع الفتاة
القروية، ليحصلوا على تعويضات، لسنا نبالغ إن قلنا إنها بمئات ملايين السنتيمات.
إن الحرب على النزاهة، ينبغي أيضا أن تشمل «مسامر الميدة» الذين يحتلون المساكن الوظيفية، بالرغم من توصلهم بالإنذارات المتوالية والتي وقعها الوزير ذاته أو كاتبه العام، والمفارقة، ومن باب النزاهة يا سيادة الوزير بلمختار، يجب أن توضح للرأي العام ماذا يعني أن يرفض موظف إفراغ مسكن وظيفي وفي نفس الوقت يتم تعيينه آمرا بالصرف، أي حارسا لأموال الشعب في الجهات والأكاديميات؟
بل ماذا يعني أن تقدم الدولة لمسؤول في الأكاديمية، يرفض إخلاء مسكن وظيفي، هو عبارة عن فيلا متواجدة في حري راق، ويقدر ثمنها بمليار سنتيم، أن تقدم له أيضا تعويضا عن السكن فوق ذلك؟
ألا ينص القانون على أن احتلال السكن الوظيفي هو عرقلة للخدمة التي يقدمها المرفق العام؟
ماذا يعني أن تفشل الوزارة في إفراغ مساكن المتقاعدين، فيما هم يكترون منازلهم أو يتركونها لأبنائهم وعائلاتهم لاجتياز العطل؟
بل ماذا يعني أن يقبل موظف مواجهة الوزارة التي يشتغل عندها في المحاكم لكي لا يفرغ مسكنا وظيفيا، يتواجد في مدينة لم يعد يشتغل فيها، وفي نفس الوقت تزكيه الوزارة ذاتها كآمر بالصرف؟
وحتى لا يتم التعامل مع هذا الكلام على أنه مجرد ادعاءات بدون أدلة، نطلب من الوزير، من باب النزاهة طبعا، أن يطالب الكاتب العام لوزارته بلائحة السكنيات المحتلة في مركز التوجيه والتخطيط، وليعرف لماذا تم طرد أرملة مسؤول سابق، لأنه مات، فيما عجزت الوزارة عن إخراج ثلاثة مسؤولين سابقين، بالرغم من مرور سنوات طويلة على تقاعدهم؟ ثم من يحمي هؤلاء في الوزارة، بل ومن يعتمد على بعضهم في مشاريع مدرة للاغتناء من خلال مراكز دراسات أسسوها من أجل ذلك، ونقصد تحديدا، مسؤولا سابقا، يحتل فيلا في مركز التوجيه والتخطيط، ويرفض إفراغها، وفي نفس الوقت هناك من يمكنه من صفقات مجزية لكونه صاحب مركز للدراسات.
إن الحرب في سبيل النزاهة تفترض النزاهة أيضا من طرف «المحاربين» الذين يخوضون حربها، وقبل أن يطلب بلمختار مطاردة المدرسين المتورطين في الساعات الخصوصية، يجدر به أن يبدأ بالذين يستغلون وظائفهم في المصالح المركزية للتستر على زوجاتهم وأخواتهم «الأشباح»، أو نقلهن خارج الضوابط القانونية، أو الذين استغلوا وظائفهم للحصول على تغيير للإطار، أو الذين استغلوا علاقاتهم العائلية للحصول على صفقات الكتب المدرسية، مثلا كيفية حصول لجنة تأليف كتاب «المنار» الخاص بالفلسفة في الجذع المشترك على هذه الصفقة، والأهم هو علاقة أحد أعضاء هذه اللجنة بمفتشة في المفتشية العامة، فإما أن يجيب سعادة الوزير وإما أن نجيب نحن مكانه.
إنه من باب النزاهة أيضا، أن يعرف بلمختار هؤلاء الذين استغلوا وظائفهم للحصول على مناصب قارة في مركز تكوين المفتشين ومركز التوجيه والتخطيط ومراكز تكوين الأساتذة، وهم بالمناسبة يعملون الآن في المفتشية العامة لوزارته وفي المديريات وفي الأكاديميات؟ ولكي نسهل عليه الطريق، نطلب من الوزير أن يطالب بقائمة أساتذة التعليم العالي المساعدين الذين تم توظيفهم في المراكز السابقة في إطار مباراة نظمتها الوزارة في السنوات الماضية، ليكتشف مثلا أن أحد المفتشين العامين لوزارته، والذي استفاد من تدخل شخصي للطيفة العابدة لتعيينه مفتشا عاما، قد اجتاز مقابلة الالتحاق بمركز تكوين المفتشين، وكانت لجنة المقابلة مكونة من مفتشين يشتغلون تحت إمرته، ومنذ حصوله على منصبه في هذا المركز، لم يلتحق به قط، أي أنه «شبح»، فلا هو أخلى المنصب لأي من الدكاترة العاطلين ولا هو قام بمهامه، حتى إذا تم إعفاؤه من مهامه في المفتشية العامة، فإنه يرجع إلى منصبه كأستاذ للتعليم العالي، يشتغل ساعتين في الأسبوع..
لذلك وفي انتظار ذلك، ها هو سعادة المفتش العام، الخبير الذي لا يشق له غبار في الشؤون التربوية، يقود حرب الوزارة ضد المدرسين باسم النزاهة وتكافؤ الفرص.
إن كون قطاع التعليم في عهد رشيد بلمختار لم يعد حكوميا لا يعفي رئيس الحكومة من مسؤولية ما يقع في التعليم، ليس فقط لكونه قطاعا اجتماعيا بامتياز، يتكفل بتربية وتعليم 7 ملايين طفلة وطفل مغربي، ولكن لأن مسؤوليته السياسية كرئيس للحكومة على قطاع التعليم تبقى ثابتة.
وعندما انتقدنا مرارا سياسة التقشف التي تعتمدها الحكومة في هذا المجال الحيوي، فلأن ترسخ الفساد في دواليب قطاع التعليم من جهة، وعدم توفير المستلزمات المالية للإصلاح من جهة أخرى، يجعل إمكانية إصلاحه مستحيلة ولو بعد قرون، فإذا كنا قد أعطينا أعلاه بعض نماذج الفساد، فإن عدم تحمل رئيس الحكومة لمسؤوليته في استثناء التعليم من سياسة شد الحزام، قد دفع وزيري التعليم، العالي والمدرسي معا، إلى استجداء المعونات من المنظمات الدولية، وهذا واقع مؤسف، يستوجب وقفة حقيقية، ذلك أنه لا معنى لكون التعليم قضية وطنية ذات أولوية بعد قضية الوحدة الترابية، والمنظمات الدولية المختلفة تستبيح تعليمنا، ونحن نعي جيدا ما نريد قوله من استعمالنا لكلمة «استباحة».
فمنذ مجيء رشيد بلمختار، لاحظ جميع المهتمين بقطاع التعليم، العودة القوية لمجموعة من المنظمات المهتمة بالتعليم، حتى أنه لا يوجد مجال في هذا القطاع إلا وتوجد منظمة دولية ما تحتكره، بشكل أقرب إلى المثل العربي الذي يتحدث عن ضياع الأيتام في مآدب اللئام، من جهة، فالوزير «مكره لا بطل» للاعتماد على «مساعدات» هذه المنظمات، باسم الشراكة حينا، وباسم الهبات حينا آخر، لأن «جوج فرنك» التي أعطتها وزارة المالية لا تكفي حتى لتدبير اليومي، فبالأحرى توفير مستلزمات الإصلاح، لكن من جهة أخرى، فهذه المنظمات لا تتدخل للمساعدة من أجل جمال عيوننا، بل لكل منها أجندتها الخاصة، وسنكون كاذبين أو جاهلين إذا لم نعترف بهذه الحقيقة.
هكذا فقد استبيح تعليمنا من طرف «الخبراء» الكنديين والفرنسيين والأمريكيين واليابانيين والبلجيكيين والإنجليز والإسبان، فضلا عن منظمة اليونسكو والمنظمات المرتبطة بالبنك الدولي، وعندما نجد في ندوة نظمتها اليونسكو عن المدرسين، أن خبراء هذه الأخيرة يعرضون خريطة المغرب مبتورة من صحرائه، دون أن يثير ذلك أي ردة فعل من طرف المسؤولين الذين حضروا الندوة، عندها نعرف جيدا معنى الاستباحة، علما أن كل المطلعين على شأن التربية والتعليم ببلانا، يؤكدون بالأدلة الملموسة، أن الخبراء الذين ترسلهم هذه الجهات ليسوا بالضرورة أفضل من الكفاءات الوطنية، ولكن فقط لأن هذه المنظمات تأتي تحت مظلة التعاون الدولي، أي من بوابة السفارات، فإنها تصبح مقدسة، ويصبح كل ما تقوله مقدسا، فقط لأنها تدفع لنا، والسؤال الذي يطرح هنا، هو أين هي سيادة الوطن وحقنا كأمة في أن نقرر لوحدنا مصير تعليم أبناء المغاربة؟
قد يقول بعض إن الأمر يتعلق بشراكات، لكننا نسأل هؤلاء، ماذا سيعطي التعليم المغربي، وهو على ما هو عليه من ضعف، لأمريكا التي تدخل أنفها في تعليمنا عبر منظمة «الأوسايدي»؟
ماذا سيعطي تعليمنا لفرنسا والتي تتدخل عبر منظمة «سْكَاكْ»؟
ثم ماذا ينقص «كوكب اليابان الشقيق» لنكمله نحن من خلال «الشراكة» معه؟
لنكن نزيهين وصريحين في تسمية الأسماء بمسمياتها، فالحكومة تخلت عن تعليم المغاربة بالتقشف، ورمته للذئاب المتربصة بهويتنا الوطنية، فيما «جوج فرنك» التي تخصصها له، يتربص بها «ذئاب الداخل» في الصفقات المشبوهة والتدبير غير الشفاف للميزانيات، ومع ذلك سيحتل رئيس الحكومة أو من يدور في فلكه، أقرب منبر ليبكي على الهوية الضائعة، وعلى شبابنا المستلب وعلى تعليمنا المتأزم.
فواكه البحر، علما أن ثلاثة أرباع سكان المغرب لا يفرقون بين «غلالة» و«الكروفيت»، ومن الأطفال من لا يعرف البحر، ولم يسبق له رؤيته إطلاقا، فبالأحرى أن يعرف فواكهه.
السبت, مارس 14, 2015 0

أتمنى أن تعجبك صفحتي